اسئلة وأجوبة

ظهر الدّين البهائي عام ١٨٦٣ عندما أعلن حضرة بهاءالله دعوته في بغداد أوائل مدّة نفيه من إيران.

يؤمن البهائيّون بوحدانيّة الله، وبأنّ جميع النّاس جنسٌ واحد وأسرة واحدة، وبأن دين الله واحد، وبأنّ الأنبياء والمرسلين جاءوا من جانب إله واحد. وهم يؤمنون بأن مجيء حضرة بهاءالله قد افتتح عصر تأسيس السّلام على الأرض الّذي تنبّأ به رسل الله على مدى العصور، عصر ستبلغ الإنسانيّة فيه سنّ الرّشد الجماعي على المستوى الاجتماعي والروحي، وتعيش كعائلة متّحدة في مجتمع عالمي تسوده العدالة.

الكتاب الأقدس هو أمّ الكتاب في الظّهور البهائيّ، نزّل باللّغة العربية من قلم حضرة بهاءالله وهو جوهر ولبّ الآثار البهائيّة، ويشتمل على الحدود والأحكام والنّصائح الأخلاقيّة، وأسس تشييد مؤسّسات ستعمل على إيجاد نظام عالميّ مبنيّ على مبادئ روحانيّة وأخلاقيّة. إنّه أحد آثار حضرة بهاءالله الغزيرة التي تؤلّف ما لا يقل عن مائة مجلد لو جمعت، وتمسّ مواضيع شتّى كالأحكام والمبادئ المتعلّقة بسلوك الفرد والحُكم والمجتمع، والكتابات العرفانيّة في رقيّ الأرواح ورحلتها الأبديّة نحو الله بارئها. وتُعتبر الآثار الكتابيّة المتعدّدة لحضرة الباب، و ألواح حضرة عبدالبهاء وتفاسيره و رسائل حضرة شوقي أفندي وتفسيراته مصادر مقدّسة بالنّسبة للبهائيّين. وعلاوة على ذلك فإنّ البهائيّين يعترفون بالكتاب المقدّس والقرآن الكريم والكتب المقدّسة لسائر الأديان السّماويّة الأخرى على أنّها آثار مقدّسة.

الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة المطلقة، واحد لا شريك له، خالق هذا الكون، وهو أجلّ وأعظم من أن يدركه أحد أو يتصوّره العقل البشريّ أو يحدّد بأيّ شكل من الأشكال. إنّ الأسماء المتنوّعة مثل الله، ويهوه، والرّبّ أو براهما كلّها تعود إلى نفس الوجود المقدّس المنيع. نحن نعرف الله عن طريق أنبيائه ورسله الّذين هم واسطة الفيض الكلّيّ الإلهيّ ويوفّرون التّربية والهداية الكاملة للبشرية جمعاء.

يؤمن الدّين البهائي بوحدة الألوهية ووحدة الأنبياء والمرسلين ويدعو إلى البحث عن الحقيقة ونبذ جميع أنواع التعصب والخرافات وينبّهنا إلى أنَّ الهدف الرئيسي للدّين هو ترويج الوئام والتآلف ويجب أن يكون الدين مطابقًا للعلم ويكون أساسًا لمجتمع سلميّ ومتطوّر ومنظّم. إنَّه يدعو إلى تكافؤ الفرص والحقوق والمزايا لكلا الجنسين ويؤيّد التعليم الإلزامي ويدعو لإزالة الفوارق الشّاسعة بين الفقر المدقع والغنى الفاحش ويعتبر العمل المنجز بروح الخدمة نوعًا من أنواع العبادة ويقترح تبنّي لغة عالمية إضافيّة وإيجاد المنظّمات الضّرورية لتأسيس وحماية سلام عالمي دائم.

ولد حضرة بهاءالله في أسرة مسلمة ومجتمع إسلاميّ، لذا فيمكن القول بإنّ الدّين البهائي قد نشأ من الإسلام مثلما نشأت المسيحيّة من اليهوديّة، أو البوذيّة من الهندوسيّة. وعلى هذا السّياق فإنّ الدّين البهائي دين مستقل مثل هذه الأديان، وله حدوده وأحكامه وتعاليمه ومؤسّساته.

يزيد عدد البهائيّين في العالم عن خمسة ملايين، وينتشرون في شتّى بقاع العالم وينتمون إلى أجناس وأعراق وشعوب وقبائل وجنسيات متعدّدة. يعتبر الدين البهائي من أكثر الأديان انتشارًا بعد المسيحيّة، ويقطن البهائيّون في أكثر من ١٠٠,٠٠٠ قرية ومدينة حول العالم.

يؤمن البهائيّون بأنّ جوهر الأديان واحد، وبأنّ سيدنا إبراهيم وموسى وزرادشت وبوذا وكرشنا والمسيح ومحمدًا عليهم السلام هم جميعًا رسل مبعوثون من جانب إله واحد. ومن أجل ترويج الوحدة الدّينية يوصي حضرة بهاءالله أتباعه بالأخذ بالتّسامح وترك التّعصّبات والمعاشرة مع الأديان كلّها بالرّوح والرّيحان.

دعا حضرة بهاءالله إلى تأسيس نظام يتكوّن من مؤسّسات منتخبة تعمل على المستويات المحلّيّة والمركزيّة والعالميّة. إنّ المرجع الأعلى للبهائيّين هو بيت العدل الأعظم، وهو هيئة عالمية تتكوّن من ٩ أعضاء يُنتخبون بالاقتراع السّرّي من قبل جميع أعضاء المؤسّسات المركزيّة.

يحتفل البهائيّون سنويًّا بإحياء ١١ عيدًا ومناسبة ذكرى، ويمتنعون عن العمل في ٩ أيّام منها. تتضمّن الأعياد ومناسبات الذّكرى البهائيّة تلك الأيّام المرتبطة بحياة حضرة بهاءالله وحضرة الباب، وعيد النوروز وهو رأس السّنة البهائيّة، في ٢١ آذار/مارس. وأعظم هذه الأعياد هو عيد الرّضوان الّذي يحتفل به على مدى ١٢ يومًا من شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو تمجيدًا لذكرى إعلان حضرة بهاءالله دعوته في حديقة الرّضوان ببغداد. يتمّ الاحتفال بإحياء هذه الأعياد والمناسبات في اجتماعات عامّة تُتلى فيها الأدعية والمناجاة وتتّسم بالتّأمّل والمعاشرة بكلّ روح وريحان. يتألّف التّقويم البهائي من ١٩ شهرًا وكل شهر من ١٩ يومًا.

الدين البهائي دين عالمي يؤمن به اليوم ملايين من الناس يمثلون مختلف الأجناس والأعراق والثقافات والطبقات والخلفيّات الدّينيّة، يقطنون في أكثر من ١٠٠,٠٠٠ قرية ومدينة حول العالم مما يجعله على المستوى الجغرافي ثاني أكثر الأديان انتشارًا في العالم. ومن هؤلاء تتألّف الجامعة البهائية العالمية التي تسعى جاهدة لتحقيق رؤيا حضرة بهاءالله، مؤسس الدين البهائي، باتحاد الجنس البشري.


إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري هو المحور الذي تدور حوله جميع تعاليم حضرة بهاءالله. إن هذه الوحدة ليست مجرد أمل زائف من آمال الجامعة البهائية العالمية. فالبهائيون يعملون على تحقيق هذا المبدأ من خلال مساهمتهم الفاعلة في إصلاح العالم وتقدّم المدنيّة. إن الجامعة البهائية تجسد نموذجًا حيًّا لوحدة الجنس البشري، فبالرغم من أنها تضم أناسًا ينتمون إلى العديد من الأصول والثقافات والطبقات، إلا أنها تمثل قدرة البشر على الاتحاد والاتفاق رغم تنوعهم وتعددهم. إن الإيمان بوحدة الجنس البشري يقي البهائيين من الانجراف في تيار الصراعات السياسية التي تؤدي إلى التفرقة، ويوجه جهودهم نحو عمليّة بناء هذه الوحدة.


ومن أبرز مبادئ الدين البهائي الوحدة الكامنة وراء جميع الأديان، والتحري عن الحقيقة تحريًا مستقلا دون تقيد بالخرافات ولا بالتقاليد، والتبرّؤ من كل ألوان التعصب الجنسي والديني والطبقي والقومي، والوئام الذي يجب أن يسود بين الدين والعلم، والمساواة بين الرجل والمرأة فهما الجناحان اللذان يعلو بهما طائر الجنس البشري، ووجوب التعليم الإجباري، والاتفاق على لغة عالمية إضافية، والقضاء على الغنى الفاحش والفقر المدقع، وتأسيس محكمة عالمية لفضّ النزاع بين الأمم، والسمو بالعمل الذي يقوم به صاحبه بروح الخدمة إلى منزلة العبادة، وتمجيد العدل على أنه المبدأ المسيطر على المجتمع الإنساني، والثناء على الدين كحصن لحماية كل الشعوب والأمم، وإقرار السلام الدائم العام كأسمى هدف للبشرية.


والبهائيون يسعون لتطبيق هذه المبادئ على مستوى القاعدة فقاموا بإعداد برامج للتقوية الروحانية والأخلاقية موجّهة نحو فئات عمريّة مختلفة، فيقدّمون للأطفال دروسًا تنمّي مواهبهم وقدراتهم الروحانية وتغرس في نفوسهم الأخلاق الحميدة النبيلة التي سيشبّون عليها، ويوفرون برامج لصغار الشباب لمساعدتهم على تشكيل هوية خلقية قوية في بواكير سنوات المراهقة وتعزيز قدراتهم للمساهمة في خير مجتمعاتهم وصلاحها. ويسعى البهائيون جاهدين لتأسيس روابط صداقة لا تقيم وزنًا للحواجز الاجتماعية السائدة، ويجمعون القلوب في محبة الله.


وفي مساعيهم لخدمة المجتمع الإنساني تطبيقا لبيان حضرة بهاءالله الذي يأمرهم بأن "لا تحصروا أفكاركم في أموركم الخاصة بل فكروا في إصلاح العالم وتهذيب الأمم"، تنهمك الجامعات البهائيّة في سائر أرجاء العالم في نشاطات تساعد في تحقيق الأهداف الإنسانيّة والاجتماعية والاقتصادية وتتضمن على سبيل المثال لا الحصر: تعزيز المشاركة في مبادرات التنمية المستدامة على مستوى القاعدة الشعبية، وتقدم المرأة، وتعليم الأطفال، والقضاء على المخدرات، ونبذ التمييز العرقي، وترويج تعليم حقوق الإنسان، وترويج الوسائل العادلة لإيجاد الرخاء العالمي. هنالك أكثر من ١٦٠٠ مشروع يُدار من قبل الجامعات البهائيّة في شتى أرجاء العالم، من بينها حوالي ٣٠٠ مدرسة يملكها أو يديرها بهائيون، بالإضافة إلى٤٠٠ مدرسة قروية تقريبًا.


تحظى الجامعة البهائية العالمية باحترام وافر في المجالس الدّوليّة، وتضمّ في عضويتها البهائيّين في جميع أنحاء العالم وتمثلهم في آن معًا، ولها تاريخ حافل بالعمل مع منظمة الأمم المتحدة يتجاوز الستين عاما، وهي مسجلة مع الأمم المتحدة كمنظمة عالمية غير حكوميّة ولها فروع في أكثر من ٢٠٠ دولة، وتتمتع بمركز استشاري خاص مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف)، ومع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (اليونيفيم). كما تعمل عن قرب مع منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومفوضية حقوق الإنسان، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.


إن البهائيين في شتى بقاع الأرض يستمدون إلهامهم من رسالة إلهية، عاكفون على خدمة البشرية، توحِّدهم نظرة مشتركة تسمو بهم إلى معايير أخلاقية عالية، ونظرة عالمية عصرية، وملتزمون ومنخرطون بخدمة مجتمعهم المحلي ويسهمون في بناء الحضارة العالمية وتقدّمها بعيدًا عن الصراعات السياسية أو الحزبية.

لا يوجد أي طقوس أو مراسم خاصة للدخول في الدين البهائي. إن الإيمان محلّه القلب وكل من يشارك البهائيين إيمانهم بأن هداية الله للبشر مستمرة وأن تتابع الرسل هو أمر لا بد منه لاستمرار تدفق الهداية الإلهية؛ كل من يؤمن بأن دين الله واحد وهو ينمو ويتطور ويتكامل مع تطور البشرية ونموها وأنه بتغير مقتضيات الزمان والمكان، لا بد للتعاليم الإلهية أن تتغير لتناسب مستوى التقدم الفكري والحضاري للبشرية؛ كل من يؤمن بأن الرسل جميعًا هم كالمرايا الكاملة الصفاء التي تعكس لنا النور الإلهي نفسه وأنهم حلقات في سلسلة متصلة لا نهاية لها من الهداية الإلهية، وأن حضرة بهاءالله هو أحدث رسل الله في هذه السلسلة وأن الدين البهائي هو المرحلة المعاصرة من تكشف الوحي الإلهي وتعاقب الأديان، فهو يعد بهائيًا.


والإيمان هو أمر حيوي، وينمو مع نموّ الإنسان، يتفضل حضرة بهاءالله: "الكلمة الإلهية بمثابة غرسة، مقرها ومستقرها أفئدة العباد، ويجب تعهدها بكوثر الحكمة والبيان، حتى تثبت جذورها وتمتد فروعها إلى الأفلاك".


وعن طريق الصلاة والدعاء وقراءة الكلمات الإلهية والعمل بما جاء بها في حياتنا اليومية، ينمو إيماننا، فهو تماماً كالبذرة تنمو تدريجيّاً، ففي صلاتنا ودعائنا نتوسل إلى الله تعالى أن يؤيدنا على السلوك على طريق الهداية.


والإيمان بحاجة إلى أن يُعبّر عنه بالأعمال، وهنا يأتي أهمية عمل كل بهائي على تأسيس وحدة العالم الإنساني، الهدف الرئيسي من الدين البهائي، وعدم اليأس من الحالة السلبية التي وصلت لها البشرية اليوم. فوحدة العالم الإنساني مع أنه كلام جميل إلاّ أن تحقيقه ليست مهمة سهلة، لذا يرحب البهائيون بكل من يريد أن ينضم إليهم في مساعيهم لبناء الوحدة والحفاظ عليها.


ففي حياتنا كأفراد بهائيين يجب أن نجهد لتكون حياتنا مطابقة لتعاليم حضرة بهاءالله وأن تتماشى أفكارنا وأعمالنا مع إيماننا بوحدة الجنس البشري. فإذا وردت فكرة من الحرب في أذهاننا نستبدلها فوراً بفكرة من السِّلم. وعندما يبدأ شعورٌ من الكراهية بالتشكل في قلوبنا نستبدله فوراً بإحساس من المحبة. علينا أن نفعل كل ما في وسعنا للتغلب على تعصباتنا. التعصبات المتعلقة بالعِرق، واللون، والمواطنة، والثقافة، والدين، والجنس هي كلها من أكبر العوائق التي تقف في سبيل بناء عالم أفضل.


وفي مجتمعاتنا المحلية نسعى لكي نطبّق ما نؤمن به فعليّاً على أرض الواقع لنشر بذور المحبة والسلام لجميع من حولنا. فالبهائيون في كل بلد يعيشون فيه منهمكون في خدمة مجتمعاتهم المحلية لبناء عالم أفضل بدءًا من مستوى القاعدة، فتلبية للتوق الدفين في أعماق كل قلب للوصال مع خالقه يفتحون أبواب بيوتهم لكلّ من حولهم، ومن مختلف الديانات السماوية والمعتقدات، لكي يأتوا في مكان واحد ويقوموا بالدّعاء لربّ واحد؛ وفي وعيهم لتطلّعات أطفال العالم ومطامحهم واحتياجاتهم للتربية الروحانيّة يقدّمون للأطفال دروسًا تنمّي مواهبهم وقدراتهم الروحانية وتغرس في نفوسهم الأخلاق الحميدة النبيلة التي سيشبّون عليها؛ ولصغار الشباب يوفرون برامج تساعدتهم على تشكيل هوية خلقية قوية في بواكير سنوات المراهقة وتعزيز قدراتهم للمساهمة في خير مجتمعاتهم وصلاحها؛ ولكسب البصيرة الروحانية والمهارات اللازمة للقيام على خدمة الآخرين يشاركون في دراسة منهجية ومنظمة للآيات الإلهية؛ وأخيرًا يسعون جاهدين لتأسيس روابط صداقة لا تقيم وزنًا للحواجز الاجتماعية السائدة، ويجمعون القلوب في محبة الله.

يعلّمنا حضرة بهاءالله أنّ الحياة ليست عبارة عن مجموعة من الأحداث والفرص التي تقع في هذا العالم، وبأن مغزاها الحقيقي يكمن في حياة الرّوح، والتي تبدأ في هذا العالم لفترة قصيرة، وتستمر إلى الأبد في العوالم الإلهية بعد الممات.


الدين البهائي يعلّمنا أن الإنسان كائن مخلوق من جسد وروح. الروح مصدرها من العوالم الإلهيّة الروحانية، وبداية حياة المرء هي عندما يرتبط الروح القادم من هذه العوالم الإلهية مع الجنين لحظة تكوينه. هذه الرابطة بين الجسد والروح تزول بنهاية حياتنا الأرضية، وعندها يعود الجسد إلى مصدره، وهو عالم التراب، وتعود الروح إلى مصدرها ومنشأها وهو العالم الروحاني الإلهي. وحيث أن الروح قد انبعث من العوالم الروحانية وخلق على صورة الله ومثاله ولديه استعداد وقابلية لاكتساب الفضائل الملكوتية والصفات الربانية، فبعد مفارقته الجسد يتقدم ويترقى إلى الأبد.


يرى البهائيون أن السبب من وجودنا هو عرفان الله وعبادته. والمقصود بعرفان الله هنا هو عرفان تعاليم الله وأحكامه، ومن ثم عبادته باتباع هذه التعاليم والأحكام. وبذلك تكون الغاية من حياتنا على هذه الأرض هي بناء قدراتنا الروحية، والعمل على ترقية الروح بعبادة الله وإطاعة أحكامه وخدمة الإنسانية جمعاء.


نقرأ في الكتابات البهائية "الإنسان في بدء حياته كان في عالم الرحم، وفي عالم الرحم حصل على الاستعداد والقابلية للارتقاء في هذا العالم. أي أنه حصل في عالم الرحم على القوى التي يحتاج إليها في هذا العالم. ففي عالم الرحم حصل على العين التي يحتاجها في هذا العالم، وفي عالم الرحم حصل على الأذن التي يحتاج إليها في هذا العالم...إذاً فكذلك يجب عليه أن يهيئ لنفسه في هذا العالم ما يحتاج إليه في العالم الآخر. وكل ما يحتاج إليه في عالم الملكوت يجب أن يهيّئه في هذا العالم. فكما حصل في عالم الرحم على جميع القوى التي يحتاج إليها في هذا العالم، فكذلك يجب عليه أن يحصل في هذا العالم على كل ما يحتاج إليه في عالم الملكوت، أي جميع القوى الملكوتية."


وبعد صعود الروح إلى بارئها وخالقها فإنها تحاسب بما عملت، فالروح التي انشغلت في عبادة الله وإطاعة أحكامه، فهي بلا شك تتمتّع بالقوى الملكوتية التي تحتاجها في العالم الإلهي، والتي تساعد الروح على الحضور في حرم قدس السبحان، والبقاء بالقرب من الله تعالى، رب العزة. وهذا الموضع، وهو القرب من الله تعالى، وهو خالق الروح، والذي فطرت الروح على محبته سبحانه، هو بمثابة الجنة لهذه الروح. فأي نعيم أفضل للحبيب من أن يكون بالقرب من محبوبه، وفي محضره.


والروح التي لم يقم صاحبها بالعمل على تقوية ملكاتها الروحانية في حياته، وانشغل صاحبها بإشباع غزائزه وشهواته، تكون فاقدة للقوى التي تحتاجها في العالم الملكوتي، وتصبح عاجزة عن الصعود للبقاء بقرب الله تعالى. وأي عذاب وضيق أشد من أن يكون الحبيب بعيد عن محبوبه، ومحروم من الاستئناس مع أحباء الله.


وهنا تأتي أهمية الإيمان برسل الله الذين ينقلون لنا إرداته وتعاليمه وأحكامه في كل زمان حسب مقتضيات العصر، والتي بطاعتها نتمكن من بناء القوى الملكوتية التي يحتاجها الإنسان في العالم الملكوتي.


يؤمن البهائيون أن حضرة بهاءالله، رسول الله لهذا العصر، أنزل أحكامًا وتعاليم وهي في توافق تام مع أحكام وتعاليم الله التي أنزلت على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والتي بنورها، ترقّت الإنسانية جمعاء ونشأت حضارة إنسانية روحانية لم يعرفها التاريخ من قبل، ولكنها تتناسب وظروف الإنسانية لهذا اليوم. ويحاول البهائيون باتباع هذه التعاليم بناء القوى الملكوتية التي تحتاجها الروح في العالم الآخر.


ويتفضل حضرة بها ءالله عن حياة الروح: "طوبى لروح خرج عن البدن، مقدساً عن شبهات الأمم، إنه يتحرك في هواء ربه، ويدخل في الجنة العليا، وتطوفه طلعات الفردوس الأعلى، ويعاشر أنبياء الله وأوليائه، ويتكلم معهم ويقص عليهم ما ورد عليه في سبيل الله رب العالمين."

يؤمن البهائيون أن الله عز وجل قد أخذ عهدًا مع الإنسانيّة بأن لا يتركها أبدًا دون هداية. بل من حين لآخر يرسل لها رسولاً يهديها إلى الصراط المستقيم عن طريق أحكام وتعاليم إلهية، إذا اتبعتها البشرية كان لها فيها الخلاص، وحصل التّقدّم والتّرقّي المادّي والرّوحاني. وواجب الإنسانية في هذا العهد، هو أن تتعرّف على الرّسل والأنبياء وتدرك حقيقة دعوتهم، وتتّبع أحكام الله وتعاليمه.


ويشير البهائيون إلى جميع الأنبياء والرسل الذين ظهروا للبشرية باسم المظاهر الإلهية. وكلمة مظهر تأتي من إظهار شيء لم يكن ظاهرًا من قبل. والأنبياء والرسل هم الّذين يظهرون لنا إرادة الله وتعاليمه التي تكون مخفية عنا. ولقد أعطانا حضرة بهاءالله مثالاً بسيطاً يوضح لنا مفهوم المظاهر الإلهية وهو مثال الشمس والمرآة.


فالشمس هي مصدر النور والدفء لهذه الأرض، وبدونها الحياة مستحيلة. ولكن لو نزلت هذه الشمس من علوّها إلى الأرض لكان مصيرنا الحرق والهلاك. وهنا إذا أخذنا مرآة صافية مصقولة ووجّهناها إلى الشمس، لوجدنا صورة الشمس مطبوعة واضحة في المرآة. نحن هنا لا ندّعي أن الشّمس قد نزلت من علوّها وحلّت في المرآة، ولكن صورتها انطبعت في المرآة، وأصبحت المرآة تعكس نفس نور الشمس.


والمظاهر الإلهية، أو الرسل والأنبياء، هم بمثابة المرايا الّتي تعكس تعاليم الله وأحكامه إلى البشرية. نحن بالتّأكيد لا ندّعي بأن الله تعالى قد حلّ في جسد أيّ من الأنبياء والرسل، ولكن نقول أنّهم كانوا قادرين على عكس تعاليم الله وأحكامه، تماماً كما عكست المرآة نور الشمس من دون أن تحلّ الشمس في المرآة.


وبالتّالي إذا نظرنا إلى أنبياء الله ورسله المختلفين، كموسى عليه السلام، وعيسى عليه السلام، وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وحضرة بهاءالله، فإنّنا نقول أنّهم جميعاً بمثابة مرايا قد عكست النور الإلهي نفسه. ولكن باختلاف مقتضيات الزمان والمكان جاؤوا بتعاليم اجتماعية تتوافق مع الزمان الذي أرسلوا فيه، ولكن أساس الأديان جيمعها واحد.


إذا نحن كبهائيّون نؤمن بأن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وسيدنا عيسى عليه السلام، وسيدنا موسى عليه السلام، وما سبقهم من رسل، هم مرسلين من عند الله، وأتوا بتعاليم وأحكام إلهية كانت بمثابة نور هداية للإنسانية، وسببًا لحصول تقدّم روحي ومادي للبشرية جمعاء.


ولكن بتقدّم الزمن، ابتعدت الناس عن تعاليم الله وأحكامه، ونسيت روح وأصل الدين، ونسيت البشرية الغاية من خلقها، وأصبح الجميع تائه في ظلام الأوهام. هنا لا بد من هداية إلهية للبشرية، ووحدها القدرة الإلهية باستطاعتها أن تخرجنا من هذا المأزق، وهنا تأتي الحاجة إلى مظهر إلهي جديد في هذا العصر.

إنّ هذا الموقع يُدار من قِبَل فرد بهائيّ، وهو لا يمثّل المركز البهائي العالمي على الانترنت.
جميع حقوق النشر محفوظة - Copyright © Bahai.com