|
مِن تَاريخ الدّين البَهَائيّ
بدأ
التّاريخ البهائيّ بإعلان الدّعوة البابيّة في عام ١٨٤٤، وهي ذاتها
تهيئة لقدوم دعوة أُخرى، تتحقّق بظهورها نبوءات الأنبياء والرّسل
السّابقين، ألا وهي الدّعوة البهائيّة. وقد مهّدت الفرقة
الشّيخيّة قبل البابيّة لهذا الحدث الجلل، بفضل عالمين جليلين من
أئمة الشّيعة الإثني عشريّة. مرّت أحداث التّاريخ البهائيّ
بمراحل عدّة لكلّ منها خصائص مميّزة، وإن كانت متّصلة بلا انفصام،
بحيث لا يبين مدلولها الكامل إلاّ برؤيتها كوحدة متكاملة.
ولكن رغبة في إيضاح وإبراز مغزى أحداث هذا التّاريخ الحافل، يمكن
تقسيمه إلى دورتين: دورة البشير أو البابيّة، ودورة الظّهور أو
البهائيّة، تسبقهما مرحلة إعداديّة تتمثّل في تعاليم الفرقة
الشّيخيّة. هذا التّقسيم، وما ينضوي تحته من تقسيم أكثر
تفصيلا، لا يحمل معنى خاصًّا، ولا يعدو عن كونه ترتيبًا منهجيًّا
لدراسة التّاريخ وسهولة استيعابه.
مرحلة الإعداد أو الشّيخيّة
ساد في أوائل القرن التّاسع عشر بين أتباع
الدّيانات المختلفة شعور باقتراب تحقّق نبوءات آخر الزّمان،
المؤكّدة لرجوع المسيح، أو ظهور الإمام الغائب، أو مجيء المهدي
المنتظر، وأنكر آخرون احتمال ذلك. وسط هذه التّكهّنات، ظهرت
فرقة الشّيخيّة الّتي أسّسها الشّيخ أحمد بن زين الدّين بن إبراهيم
الإحسائيّ، المولود بشبه الجزيرة العربيّة عام ١٧٤٣.
اهتمّ الإحسائي بإصلاح معتقدات الشّيعة: فقال بأنّ
الإمام الموعود لن يخرج من الخفاء، وإنّما سيولد في صورة شخص من
أشخاص هذا العالم، وإنّ المعاد يكون بالجوهر لا بالعنصر الترابيّ،
فالجسد يبلى بعد الموت، أمّا الحشر والنّشر فيكون بالرّوح وهو من
الجواهر. توفّي الشّيخ سنة ١٨٢٦ ودفن بالبقيع، بالمدينة
المنوّرة.(۱)
تابع أبحاث الإحسائي من بعده تلميذه الشّيخ كاظم
الرّشتي، وواصل رؤى شيخه في ظهور "الموعود" وعدّد لتلاميذه أوصافه
وعلاماته، وأعلن في أواخر أيّامه أنّ تعاليم الشّيخيّة قد استوفت
غرضها في التّهيئة لمجيئة، وأوصى تلاميذه بالتّشتّت بحثًا عنه.
فما أن توفّاه الله حتى هاموا في أرجاء إيران بحثًا عن الموعود.
(٢)
رسالة البشير أو البابيّة
كانت دروة البشير أو المبشّر قصيرة المدى، لم
تتعدَّ ثماني سنوات، ولكنها حفلت بآيات البطولة، وتجلّت فيها روح
الفداء بالنّفس والنّفيس في سبيل الله. ويمكن، لإبراز مغزى
أحداث هذه الدّورة، تقسيمها إلى ثلاث مراحل: مرحلة الكشف، ومرحلة
الإعلان، ومرحلة الاستقلال.
مرحلة الكشف
جرت معظم أحداثها في مدينة شيراز، وأهمّها كشف النّقاب عن أمر
الباب، وإنْ بقي أمره طوال هذه المرحلة، منحصرًا في عدد محدود من
أتباعه، بينما كرّس حضرته جهده لتلقينهم تعاليم دعوته، وإعدادهم
للمهام الجسيمة الّتي تنتظرهم، وتنتهي هذه
المرحلة باجتماع الباب بتلاميذه الثّمانية عشر، وإبلاغهم مهام كلّ
منهم، وأمرهم بالتّشتّت في أنحاء البلاد.
تفصيلاً لهذا الإجمال، نعود بالأحداث إلى تلاميذه السّيّد كاظم
الرّشتي. في غضون عام من انتشارهم بحثًا عن "القائم"، التقى
أحد أئمتّهم، الملاّ حسين بشروئي، بالسّيّد علي محمد، أحد تجّار
وأعيان مدينة شيراز، الّذي دعاه إلى منزله. وسرعان ما انبهر
الملاّ حسين بشخص مضيفه، إذ وجده فذًّا في رقّته ووقار شخصيّته،
فريدًا في وداعته وصفاء سريرته، جذّابًا في حديثه، قويًّا في
منطقه، يأسر مستمعيه بسحر بيانه. وفي الهزيع الأوّل من تلك
اللّيلة الخامسة من جمادى الأولى ١٢٦٠ﻫ - الموافقة لليلة ٢٢ مايو
(أيّار) ١٨٤٤م – كشف السّيد علي محمّد لضيفه النّقاب عن حقيقة
كينونته: إنّه هو الباب - وهو لقب يبيّن أنّه مقدّمة لمجيء "من
يظهره الله" – ذات "الظهور" الّذي بشّر بقرب مجيئه الشّيخان، أحمد
الإحسائي وكاظم الرّشتي، وجاء ذكره في الدّيانات السّابقة بأسماء
وأوصاف متباينة في ظاهرها، متوافقة في جوهرها وحقيقتها.
في
أوّل الأمر، ساور الشّكّ قلب الملاّ حسين، وهو أخصّ تلامذة السّيد
كاظم، الملمّ بكلّ أقواله عن الموعود وأوصافه وعلاماته، وهو الفقيه
الّذي أعدّ نفسه للتّعرّف على "الموعود"، فطلب الدّليل تلو
الدّليل، حتّى نزلت في حضوره سورة "قيّوم الأسماء". رأى
الملاّ حسين في الهيمنة، والاقتدار، والإلهام، المتجلّي أمام
ناظريه، اليقين القاطع، والبرهان السّاطع على نزول الوحي، فأذعن
إلى نداء الله، وكان أوّل من صدّق بالباب الّذي لُقّب أيضًا
بالنّقطة الأولى، وحضرة الأعلى.
ولمّا بلغ عدد المصدّقين بالدّعوة الجديدة ثمانية
عشر، معظمهم من تلامذة السّيد كاظم، اجتمع بهم حضرة الباب، وأمرهم
بالانتشار في الأرض، مذكّرًا إيّاهم بأنّهم حملة لواء الله في هذا
اليوم العظيم، وأمرهم أن يتحلّوا بصفات الله وأسمائه الحسنى،
ويكونوا في أقوالهم وأعمالهم مصداقًا لتقوى الله وقدرته وجلاله.
وأن يشهد حلّهم وترحالهم على نبل مقصدهم، وكمال فضائلهم، وصدق
إيمانهم، وخلوص عبوديّتهم.
خرج
حضرة الأعلى بعد ذلك حاجًّا، وبعد أن أعلن دعوته إلى شريف مكّة
المكرّمة، عاد إلى مدينته، شيراز، ليواجه معارضة علمائها
المستكبرين، وشرّ حاكمها العاتي.
مرحلة الإعلان
بدأ
خطاب الباب إلى تلاميذه المرحلة الثّانية في تاريخ دعوته، مرحلة
الإعلان، الّتي امتدّت فترتها حتى سجنه في قلعة ماه كوه.
تميّزت هذه المرحلة باعتناق عدد من خاصة علماء الشّيعة الدّعوة
البابيّة، وانتشار أمر حضرة الأعلى في أنحاء بلاد إيران، ولكن فشلت
مع ذلك مساعيه للقيام شخصيًّا بإبلاغ الدّعوة للملك محمد شاه.
كما شاهد ختام هذه المرحلة انضمام السّلطة المدنيّة إلى رجال
الدّين في مقاومة هذه الدّعوة الجديدة، وصدور أمرها بسجن الباب.
تفصيلاً لأحداث هذه
المرحلة الدّقيقة نعود إلى سفر حضرة الأعلى إلى بيت الله الحرام.
أتاح غياب حضرته الفرصة للمغرضين لينشروا الأكاذيب عنه، وليثيروا
الفتنة ضدّه في مدينة شيراز، فلمّا عاد من حجّه عمل على تهدئة
خواطر النّاس فيها،
وعندما
اجتمع علماء المدينة لحواره، وواجهوه بكثير من الاتّهامات الكاذبة،
رأى حضرته الاكتفاء بإنكار الأباطيل المنسوبة إليه، دون الدّخول في
شرح بعثته، فأشاع مناوئوه أنّه رجع عن دعوته، بينما الواضح من
كلامه أنّه تبرّأ من مفترياتهم، دون أن يتطرّق إلى إنكار أو إثبات
صدق دعوته.
حمل
الاهتمام المتزايد بأمر الباب شاه إيران على إرسال أوثق علمائه
لتحرّي الحقيقة، فبعث بالسّيد يحيى الدّارابي، الّذي باحث حضرة
الأعلى عدّة مرّات، انتهى بعدها إلى التّصديق بدعوته، فاتّهمه
العلماء بالجنون، مع أنّهم كانوا يعتبرونه حتى إعلان إيمانه بدعوة
الباب أرسخهم علمًا، وأجدرهم بمحاجاة الباب ودحض دعوته. بعث
بعد ذلك، الملاّ محمد علي الزّنجاني، من كبار مجتهدي الشّيعة في
زمانه، أحد خاصّته لبحث أمر الباب، وما أن عاد رسوله حتّى أنهى
الملاّ محمّد مجلس تدريسه معلنًا عبارته الشّهيرة: "طلب العلم بعد
الوصول إلى المعلوم مذموم".
قرّر
علماء شيراز في أعقاب ذلك التّخلّص من الباب، ولكن في ذات اللّيلة
الّتي قبض فيها عليه، فتك الوباء فجأة بمدينة شيراز وأثار الذّعر
بين أهلها، فأمر حاكمها بإطلاق سراحه، وطلب منه مغادرتها.
قصد حضرة الأعلى مدينة إصفهان، ولكن أفتى علماؤها بكفره.
ولمّا دعاهم حاكمها ليباحثوا الباب في أمره، رفضوا متعلّلين بأنّ
المناظرة تجوز فيما أشكل، أمّا خروج الباب على الشّرع فواضح
كالشّمس في رائعة النّهار. وواصل علماء إصفهان الشّكوى إلى
ساحة الملك، فصدر الأمر بإقصاء الباب إلى قلعة ماه كوه ثم قلعة
ﭽﻬﺭيق بإقليم آذربيجان.
مرحلة الاستقلال
بدخول الباب إلى السّجن بلغت دعوته مرحلة الاستقلال. إذ أتاح
السّجن له الوقت لشرح دعوته وبيان أهدافها، كما سهّل على المؤمنين
الاتّصال به بعيدًا عن مكائد الأعداء، فتجلّى استقلال الدّعوة
الجديدة، واجتمع أقطابها ببدشت لتأكيد هذا الاستقلال. انتهت
هذه المرحلة الثّالثة بتآمر السّلطتين المدنيّة والدّينيّة على قتل
الباب، ونجاحهما في تنفيذ مأربهما الشّنيع علنًا.
تفصيل
أحداث هذه المرحلة يبدأ بأسباب سجن حضرة الأعلى في إقليم آذربيجان
بالذّات. فقد كان اختيار الوزير أقاسي قلعة ماه كوه ثم قلعة
ﭽﻬﺭيق مكانًا لسجن الباب، وكلاهما بأرض نائية في آذربيجان، على
مظنّة عدم مبالاة سكّانها بهذه الدّعوة، لأنّهم من الأكراد السّنة.
ولكن ما أن حضر إليها حضرة الأعلى حتى بهر أهلها بدماثة أخلاقه،
ورقّة طباعه، وقوّة إيمانه، وخوارق أعماله؛ فالتفّوا حوله، ورحّبوا
بكلّ من قصده، وأضحى سجنه مكانًا تأمّه الحجّاج، بعيدًا عن مكائد
علماء الشّيعة؛ فزادت البابيّة انتشارًا، وزاد بذلك قلق العلماء.
وافت المنيّة في هذه
الأثناء محمّد شاه، وخلفه على العرش الأمير ناصر
الدّين ولمّا يتجاوز السّادسة عشر من عمره، كما تولّى ميرزا تقي
خان الوزارة متصوّرًا أن إرهاب البابيّين سيوقف انتشار دعوتهم،
ويكسبه تأييد العلماء. فأقحم الوزير تقي خان السّلطة
المدنيّة مع السّلطة الدّينية في محاربة البابيّة. لذلك لم
تُحرّك هذه السّلطة ساكنًا عندما أغار الغوغاء على البابيّين
بتحريض من العلماء؛ فاغتصبوا أموالهم، وأراقوا دماءهم، ونكّلوا
بذويهم، وحيثما حاول المُعْتَدَى عليهم دفع الشّرّ عن أنفسهم،
اتُّهموا بإثارة الفتن والاضطرابات.
جمع الباب آنذاك أوراقه وأرسلها مع قلمه وخاتمه
إلى حضرة بهاء الله في طهران إشارة إلى وشك انتهاء مهمّته.
نُقل بعدها بقليل، مع أربعة من أتباعه إلى تبريز، حيث أعدّت العدّة
لقتله. وفي اليوم التّالي لوصوله، أصدر علماء تبريز فتياهم
بإعدام الباب بدون مواجهته، وتولّى سام خان، رئيس فرقة من الجنود
الأرمن، تنفيذ الإعدام: رُبط الباب ورفيق له في مواجهة ثلّة جنود
اصطفّوا في ثلاث صفوف على مرأى ومسمع الجموع المتفرّجة. ثم
صدر الأمر بإطلاق البارود؛ فعلا دخّان كثيف تعذرت معه الرّؤية.
وبعد انقشاع سحب الدّخان، انصعقت الجماهير لرؤية رفيق الباب قائمًا
بمفرده، وقد تمزّقت الحبال الّتي قُيّد بها، دون أن يصاب هو بأذى،
ولا أثر للباب نفسه.
كان
الباب جالسًا داخل الغرفة الّتي اقتيد منها، يتابع في هدوء إبلاغ
آخر وصاياه لأتباعه. بعد انتهائه، أبلغ حارسه المشدوه أنّ
وقت شهادته قد حان، ولكن رفض الحارس، وكذلك سام خان، الاشتراك في
قتله، وقرّر سام خان وجنوده الانسحاب.
لم يكن
بدٌّ من إتمام المؤامرة خوفًا من زيادة انتشار الدّين الجديد.
فأحضرت فرقة أخرى من الجنود، واقتيد الباب إلى ذات المكان، وأطلق
الرّصاص؛ فتحقّقت بشهادته نبوءة خطّها يراعه في مستهلّ دعوته:
﴿يا سيّدي الأكبر
õ
ما أنا بشيء إلاّ وقد
أقامتني قدرتك على الأمر
õ
ما اتّكلت في شيء إلاّ
عليك
õ
وما اعتصمت في أمر إلاّ
إليك
õ
يا بقيّة الله قد فديت
بكلّي لك ورضيت السبّ في سبيلك وما تمنّيت إلاّ القتل في محبّتك
õ
وكفى بالله العليّ
معتصمًا قديمًا وكفى بالله شاهدًا ووكيلاً﴾.(٣)
أثّرت الوقائع المذهلة لاستشهاد الباب على القوى
العقليّة لأحد الّذين قاموا على خدمته وتعلقّوا بشخصه، فتصوّر أنّ
الوفاء يفرض الانتقام له، فعزم على قتل الشّاه. من دلائل ضعف
عقله، أنّه استخدم أداة لا تميت؛ فأصاب الشّاه بجروح طفيفة.
لكن وجد أعداء البابيّة الفرصة من جديد للفتك بالبابيّين، وبدون
تحقيق أو محاكمة اتُّهم البابيّون جميعًا بالتآمر على حياة الشّاه؛
فامتلأت السّجون بمن بقي منهم على قيد الحياة واقتيدوا أفواجًا إلى
مقرّ الشّهادة.
قضت موجة الفتك والسّلب على آلاف الأبرياء، ولكن
مضت دعوتهم قدمًا وامتدّ نفوذها الى شرق الأرض وغربها، وتُرجمت
كتبها إلى لغات مختلفة، وأضحى مرقد الباب محجًّا تؤمّه الملايين،
بينما خوت قصور الملوك والوزراء الّذين حاربوه واندكّت عروشهم
كأنّها هشيم تذروه الرّياح.
طَلْعَةُ الظّهور أو البَهَائيّة
البهائيّة هي الإشراق الّذي هيّأت له الدّورة
السّابقة. وأحداث الدّورتين مرتبطة، يتعذّر تحديد خطّ فاصل
بينهما، إلاّ أنّ بهاء الله بيّن أنّ بعثته بدأت أيّام سجنه في
سياه چال بطهران. ولكن لا يمكن تقسيم تاريخ هذه الدّورة
بالبساطة الّتي اتّبعناها في الدّورة البابيّة، لأنّ أحداثها لا
تقتصر على ما وقع منها في حياة بهاء الله فحسب، بل يشمل أيضًا ما
أنجزه ابنه ومركز عهده عبد البهاء، ومن بعده شوقي ربّاني حفيد عبد
البهاء ووليّ الأمر. وينبغي قبل تفصيل هذه المراحل أن نقدّم
بكلمة عن صاحب هذه الدّورة.
بهاء
الله هو الّلقب الّذي عُرف به ميرزا حسين علي النّوري، وهو سليل
مجد وشرف، إذ كان أبوه ميرزا عبّاس المعروف بميرزا بزرﮒ، أحد
النّبلاء المقرّبين إلى بلاط الملك فتح علي شاه، وحاكمًا على منطقة
بروجرد ولُرستان. اتّصف بهاء الله منذ طفولته بحميد الخلال،
وجميل الخصال، وتميّز بحدّة الذّكاء، ورجاحة العقل، والشّجاعة
والإقدام، وأبدى منذ بكرة صباه كفاءة ومهارة فائقتين في حلّ أعقد
المشاكل، وأظهر معرفة وعلمًا لَدُنيًّا أدهشا مَن حوله من كبار
رجال الدّولة. ورغم كثرة ما عُرض عليه من مناصب الدّولة،
انصرف كلّية إلى أعمال البِرّ، ورعاية المساكين، منفقًا ماله الخاص
على الفقراء والمعوزين.
في بغداد
بعد محاولة الاعتداء
على حياة الشّاه، قضى حضرة بهاء الله أربعة شهور سجينًا في طهران،
ينتظر دوره للإعدام بصفته
أحد أقطاب البابيّة، ولكن نجح بعض أصدقائه القدامى في إقناع الملك
بالتّحقيق في هذا الحادث، فثبتت براءته، وأطلق سراحه، ولكن أمرت
السّلطات بإبعاده، وصادرت أمواله، فقصد العراق.
بعد
إقامة قصيرة في بغداد قرّر بهاء الله الاعتزال في جبال
السّليمانيّة حيث انقطع متعبّدًا في خلوة دامت عامين، لم يكن أحد
يعلم خلالها مكانه. وعندما عُرف مكانه إنهالت عليه
التّوسّلات للعودة لجمع شملهم، وتنظيم صفوفهم من جديد.
اهتمّ
بهاء الله بشرح وبيان تعاليم الباب على نحو لا يمكن أن يكون إلاّ
إلهامًا إلهيًّا. ومن بين مآثر هذه الفترة رسالتين على جانب
عظيم من الأهميّة، ولا زالتا آيتين من آيات الإعجاز: هما الكلمات
المكنونة، وكتاب الإيقان. تتعدّى الرّسالة الأولى حدود جمال
التّصوير وبلاغة اللّفظ ورقّة التّعبير، إلى عمق المعنى وسموّ
الفكرة، مع شدّة الاختصار وسحر البيان، وهي موجز للفضائل
والإلهيّات الّتي جاءت بها الأديان سابقًا، أو كما قدّم لها بهاء
الله:
﴿هذا ما نُزّل من جبروت العِزّة بلسان القُدرة
والقوّة على النبيّين من قبل، وإنّا أخذنا جواهره وأقمصناه قميص
الاختصار فضلاً على الأحبار، ليوفوا بعهد الله ويؤدّوا أماناته في
أنفسهم، وليكونّن بجوهر التُّقى في أرض الرّوح من الفائزين﴾
وفي الرّسالة الثّانية
يفيض بيانه الأحلى بتفسير آيات الكتب المقدّسة السّابقة على نحو
يُبرز وحدة معانيها ومقاصدها، ويُلفت الأنظار إلى أبديّة الأديان،
وعدم محدوديّة رسالاتها رغم محدوديّة أحكامها في حيّز زمانيّ.
وخلت الرّسالتان من أيّ إشارة
إلى أمره الجديد، ولكن فتح كتاب الإيقان آفاقًا فسيحة أمام الفكر
الدّينيّ لكلّ المهتمّين بالرّوحانيات، مهيّئًا لإعلان ظهوره
المبارك. بقي بهاء الله في بغداد قرابة عشر سنوات، علت
أثناءها شكوى البلاط الفارسيّ من ازدياد نفوذه في منطقة يحجّ إليها
الشّيعة من إيران، وينتهز كثير منهم الفرصة ليستطلع حقائق
البابيّة. وزادت مخاوف البلاط الإيرانيّ بعد زيارة عدد من
أفراده – من بينهم الأمراء – لبهاء الله في منزله المتواضع.
فأمر السّلطان عبد الحميد بحضوره إلى إستنبول. وبينما كان
يتأهبّ ركبه للرّحيل في ربيع عام ١٨٦٣، أعلن بهاء الله لأصحابه
بأنّه الموعود الّذي بشّر به الباب، والّذي بظهوره تتحقق نبوءات
ووعود الأديان السّابقة.
في أدرنة
تمتدّ
المرحلة الثّانية من وقت هذا الإعلان الخاص إلى حين إبحار بهاء
الله من تركيا، في طريقه إلى عكّا، وتتميّز بتطوّر المبادئ الّتي
أعلنها الباب إلى أصول وأحكام مفصّلة، وإعلان دعوة بهاء الله
إعلانًا عامًا على التّدريج، وإعداد رسائله الموجّهة الى ملوك
ورؤساء الدّول، لإبلاغهم مبادئ العصر الجديد ونظامه العالمي،
ودعوتهم للكفّ عن الحروب، والحدّ من التّسلّح، والاتّحاد والتّعاون
لخير الشّعوب.
جرت
أكثر أحداث هذه المرحلة في مدينة أدرنة على أرض القارّة الأوربيّة.
فبعد وصول بهاء الله وصحبه إلى مدينة إستنبول في منتصف أغسطس (آب)
١٨٦٣، من رحلة دامت ثلاثة شهور ونصف على ظهور الدّواب، خلال جبال
وعرة، نما إلى علمهم قرار ترحيلهم إلى أدرنة، الّتي وصلوها
يوم ١٢ ديسمبر (كانون أول) من نفس السّنة. واصل بهاء الله
أثناء إقامته في هذه المدينة، وطيلة السّنوات الخمس التّالية،
تفصيل أصول دعوته،
وشرح النبوءات والوعود الإلهيّة الخاصة بمجيئه، وتهذيب وتقويم
أخلاق أصحابه وأتباعه، وبيان نظامه لحفظ الأمن في العالم، وإقامة
السّلام على قواعد العدل والتّآزر، وضمّن ذلك رسائله إلى الملوك
الّذين أنذرهم جمعًا وفرادى مغبّة رفض دعوته. وحاق بكلّ منهم
ما أنذره مسبقا من خسران مادّي ومعنوّي – نتيجة لاستكبارهم وعدم
مبالاتهم بهذه الرّسالة السّماويّة ورفضهم الانصياع لأمر الله –
رغم ما كانوا عليه من عزّ مبين.
هنالك
ملأ الحسد قلب أخيه لأب، ميرزا يحيى، وانتهز المناوئون الفرصة
لتقّسيم الأصحاب، وشجّعوه على المضيّ في غيّه، حتى إذا ما اشتدّت
حدّة الخلاف بين الأتباع، طالبوا السّلطان بإبعادهم؛ فصدر الأمر
بترحيل ميرزا يحيى ومشايعيه إلى قبرص، وسجن بهاء الله وصحبه في
عكّا.
في عكّا
تمتدّ
المرحلة الثّالثة، من وقت وصول بهاء الله إلى
سجن عكّا حتى وفاته
بقربها. شهدت السّنوات الأربع والعشرون الّتي قضاها بهاء
الله في عكّا ومَرجِها، إبلاغ رسائله إلى الرؤساء والملوك، ونزول
الكتاب الأقدس متضمّنًا حدود وأحكام الشّريعة البهائيّة، وتفصيل
نظامه العالمي، وانتشار دعوته من إيران والعراق، إلى تركيا،
وروسيا، ومصر، والشّام، والهند.
|